صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

277

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وتمكنت الحكومة الإسلامية من حماية المدينة من الهجمات من خارجها ، ومن كيد اليهود والمنافقين من داخلها ، ووسعت حدود سلطاتها تدريجيا حتى امتد في أواخر عصر النبوة إلى معظم أنحاء جزيرة العرب . وقد بذلت الكثير من الجهود لتنظيم عمليات الدفاع والهجوم ، وزيادة أعداد المقاتلين حتى وصل في غزوة تبوك ما يزيد على ثلاثين ألف مقاتل . وكانت التجهيزات تعتمد على جهود الأفراد ، وما يقدمه أغنياء المسلمين من أموال لغرض تجهيز الجيش . ونظمت حكومة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المجتمع الإسلامي ، فأقامته على أساس الحب والتكافل الاجتماعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واحترام الإنسان ، وتطمين حاجاته الروحية والمادية حسب إمكانات الدولة آنذاك . وكانت تقوم بجباية الزكاة عن طريق المصّدقين الذين يرسلون إلى القرى والبوادي ، وعن طريق الولاة في المدن ، وكانت الأموال المجموعة تنفق على الفقراء من مناطق الجباية ، وما فضل منها يرسل إلى المدينة . واعتمدت الحكومة النبوية في مواردها المالية على أغنياء الصحابة الذين يبذلون الكثير من أموالهم في مواجهة حاجات الدولة ، كالإنفاق على الجيوش ، واستضافة الوافدين من خارج المدينة ، وإعانة المحتاجين من المهاجرين ، وبقية فقراء المسلمين من أهل الصفة . ولكن الدولة حازت على موارد دائمة عقب غزوة أحد ، حيث أوصى الحبر اليهودي مخيريق بأمواله للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت سبع بساتين سخرت إيراداتها لسد نفقات المصالح العامة ، فضلا عن نفقات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وآل بيته . وقد ازدادت الأموال التي حازتها الدولة بعد فتح خيبر وأراضيها الزراعية الغنية . ولا شك في أن الغنائم التي حازها المسلمون في المعارك الكثيرة قد أسهمت في زيادة موارد الدولة ، حيث كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأخذ الخمس من الغنائم . غير أن الغنائم لم تكن تمثل ثروة كبيرة إلّا في غزوات معينة مثل غزوة هوازن . وقد ساعدت تعاليم الإسلام الماليّة على ازدهار الحياة الاقتصادية من تجارة وصناعة وزراعة ، وخاصة ما يتعلق من تلك التعاليم بحقوق التملك ، وحرية العمل ، وسيادة الأمن ، وقيم العدل والوعد بالأجر الأخروي للتجار والصناع والزراع إذا ما أخلصوا النية في أعمالهم ، وأتقنوا أداءها ونصحوا فيها . وقد ظهر أثر التعاليم الاقتصادية الإسلامية بصورة أكثر جلاء في العصور التي تلت عصر السيرة ، حيث إن السنوات العشر الأولى التي مضت على قيام الدولة الإسلامية ، لم تكن كافية لتوضيح الآثار الاقتصادية للتعاليم الجديدة بصورة جليّة . ولم تكن القيود الجديدة على النشاط الاقتصادي لتؤثر سلبا على تكون رؤوس الأموال ، فالربا الذي حرّم منع تكدس الأموال بأيد قليلة ، لكن السماح بتكوين رؤوس أموال مشتركة لتمويل العمليات التجارية - مما كانت قريش تعرفه قبل الإسلام - عوض النقص في رؤوس الأموال ، كما أن تفتيت الثروة يساعد على زيادة القوة الشرائية في المجتمع ، مما ينشط الحركة الاقتصادية . وكانت نصوص تحريم الربا ، وتحريم الاحتكار ، ونظام الميراث ، والزكاة والحث على الصدقات تساعد على تفتيت الثروة وتداولها كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ « 1 » .

--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الحشر ، الآية / 7 .